| 19-Jun-10 [18:44] |
مقالات - إستقالة الرئيس الألماني درس في الديمقراطية...........فوزي الاتروشي - وكيل وزارة الثقافة
|
يوم (1/6/2010) قدّم رئيس المانيا استقالته بكل هدوء وبذلك قدّم درساً في الديمقراطية لكل الرؤساء والملوك والسلاطين والأمراء في منطقتنا الذين لا يغادرون كرسي الحكم إلا إلى القبر.
لم يرتكب الرئيس الألماني أي خطأ وهو محل تقدير واحترام الجميع ويمثل الدولة الألمانية كرمز رفيع المستوى لدولة بلغت ذروة التحضر . إلا أن تصريحاً واحداً منه حول وجود الجيش الألماني في أفغانستان كان مثار نقد عدد من الإعلاميين والشخصيات السياسية وبعض المواطنين وهذا ما دفعه لمغادرة الحكم لأنه شعر بأن أي جرح يلحق بمواطنيه نتيجة تصريحاته أمر غير مبرر. الواقع أن الشعب الألماني عموما ونتيجة لعوامل تاريخية لا يحبذ وجود قوامة العسكرية في بؤر التوتر إلا لمهمات إنسانية بحتة، ولكن الرئيس الألماني _ وربما كانت مجرد زلة لسان _ برر هذا الوجود للجيش الألماني في أفغانستان. المهم هو الفعل الحضاري العميق المغزى الذي أقدم عليه والذي يعمق الشعور بقدسية المبادئ التي احتكم إليها وهو يكتب رسالة الاستقالة. في منطقتنا الجمهوريات وراثية والملكيات مطلقة والوطن مختزل في شخص الحاكم الذي يوحي للشعب أن مغادرته الحكم تعني بالضرورة انهيار الوطن كله ومحوه من على خارطة العالم . فالحاكم هو ظل الله على الأرض وهو القادر على كل شيء وأي معارضة أو اختلاف في الرأي مع سيادته أو جلالته يصب في خانة المؤامرة. لذلك شاعت عندنا مقولات مثل المستبد العادل وحاكم جائر أفضل من الفتنة والتركيز الشديد على تنمية ثقافة الطاعة والخضوع والاستسلام لدى المواطن تجاه الحاكم وتبرر أفعاله وجرائمه وكل سلوكياته الخاطئة... إن هذه الثقافة الممتدة في تاريخنا منذ بداية الدولة الأموية ومن ثم العباسية والعثمانية ترسخت ورسخت لدى المواطن مفاهيم لا ديمقراطية وتربية فاقدة للحس النقدي الجريء مضافاً إليها القمع المستديم على مرّ التاريخ . وبعد التحرير انفتحت أمامنا في العراق لأول مرة فرصة لتغيير هذا الواقع التاريخي المرّ وتنمية تجربة ديمقراطية ضمن عالم شرق أوسطي حافل بالجمهوريات الوراثية والملكيات المطلقة المستبدة.. إن العراق يستطيع بالتأكيد عبور النفق فلا شيء مستحيل والذي يتعلل بالظروف إنما يتوسل باليأس وبالقعود ورفض الحركية والتفاعلية مع العالم الحرّ. والتجربة منذ 2003 ولغاية الآن رغم كل سلبياتها تؤشر أن البناء التربوي الثقافي الفكري الديمقراطي وان كان بحاجة إلى تضافر جهود هائلة والى فترة طويلة إلا انه ممكن ويجب أن لا نحيد عن الطريق.
|

|